التحديات التعليمية في إريتريا: التنقل بين السياق التاريخي والقضايا الحالية
يلعب التعليم دورًا محوريًا في تشكيل مستقبل الأفراد والمجتمعات. في حالة إريتريا، وهي بلد يتمتع بتاريخ معقد ورغبة قوية في التقدم، يعكس المشهد التعليمي التحديات الموروثة من الماضي والقضايا المعاصرة التي يواجهها نظام التعليم. من خلال دراسة السياق التاريخي والتحديات الحالية، يمكننا فهم شامل للعقبات التي يجب على إريتريا التغلب عليها لضمان تعليم منصف وعالي الجودة لسكانها.
الخلفية التاريخية
لقد تطور نظام التعليم في إريتريا بمرور الوقت، متأثرًا بشكل كبير بتاريخها الاستعماري والنضال من أجل الاستقلال. تحت الحكم الاستعماري الإيطالي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان التعليم محدودًا على فئة مميزة قليلة، وكان الهدف الرئيسي منه خدمة مصالح الإدارة الاستعمارية. هذا النهج استبعد الغالبية العظمى من الإريتريين وحظرهم من الوصول إلى التعليم ذو جودة، مما أدى إلى استمرار عدم المساواة.
بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت إريتريا تحت الإدارة البريطانية ثم اتحدت مع إثيوبيا في عام 1952. خلال هذه الفترة، كانت الفرص التعليمية محدودة وغير متاحة إلى حد كبير للسكان عامة. ومع ذلك، أحدث النضال المسلح من أجل الاستقلال بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا (EPLF) تغييرات كبيرة. أسست الجبهة الشعبية مدارس تحت الأرض، عرفت باسم “محطوت”، التي ركزت على الحفاظ على الهوية والثقافة واللغة الإريترية. هذا الحركة وضعت الأساس لنظام تعليمي أكثر شمولًا وثقافيًا.
التحديات الحالية

عدم المساواة في الوصول إلى التعليم
أحد أكثر التحديات إلحاحًا في إريتريا هي عدم المساواة في الوصول إلى التعليم. تشكل العوامل الجغرافية عوائق كبيرة، خاصة في المناطق النائية والريفية. تعوق البنية التحتية المحدودة ووسائل النقل إنشاء المدارس وصيانتها، مما يجعل من الصعب على الأطفال الوصول إلى التعليم. على سبيل المثال، في منطقة قاش بركة، الواقعة في الجزء الغربي من البلاد، يؤدي نقص المدارس والمسافات الطويلة التي يجب على الطلاب قطعها للوصول إلى المدرسة إلى منع العديد من الأطفال من حضور الفصول الدراسية بانتظام. وبالمثل، في المنطقة الجنوبية، يواجه الأطفال من المجتمعات الرعوية صعوبات في الوصول إلى التعليم الرسمي بسبب نمط حياتهم المتنقل وغياب المرافق التعليمية في مسارات هجرتهم.
القيود الاقتصادية وتكاليف التعليم
تزيد العوامل الاقتصادية من تفاقم التحديات في نظام التعليم. يشكل الفقر، المنتشر يشكل خاص في المناطق الريفية، عائقا على الأسر في تحمل نفقات التعليم مثل الزي المدرسي والكتب وتكاليف النقل. ان العبء المادي يعتبر عقبة أمام الوصول إلى التعليم، مما يؤثر بشكل غير متناسب على الفئات الضعيفة ويؤدي إلى استمرار دوامات الفقر وعدم المساواة. على سبيل المثال، في منطقة أنسيبا، تواجه الأسر الفقيرة صعوبة في تغطية النفقات التعليمية الأساسية، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التسرب بين الأطفال من خلفيات منخفضة الدخل. وبالمثل، في المناطق الحضرية مثل أسمرة، تجعل التكاليف المعيشية المرتفعة من الصعب على الأسر تخصيص موارد كافية للتعليم، مما يعيق الوصول إلى التعليم ذو جودة.
الفوارق بين الجنسين
تواجه إريتريا فوارق بين الجنسين في الوصول إلى التعليم. غالبًا ما تعطي الأعراف والتوقعات الثقافية الأولوية لتعليم الأولاد على البنات، مما يؤدي إلى انخفاض معدلات التسجيل للبنات. تساهم الزواج المبكر والمسؤوليات المنزلية المفروضة على الفتيات في تقييد فرصهن التعليمية. الزواج المبكر منتشر في بعض المناطق، مثل منطقة دبوب، وغالبًا ما تُجبر الفتيات على ترك المدرسة في سن مبكرة، مما يعيق تقدمهن التعليمي. علاوة على ذلك، تساهم التصورات المجتمعية حول الأدوار التقليدية للجنسين في تقييد الفرص التعليمية والمهنية للنساء، و هذا يقلل من جهود تحقيق المساواة بين الجنسين في التعليم.
جودة التعليم
جودة التعليم في إريتريا تمثل مصدر قلق كبير. يساهم نقص المعلمين المؤهلين، خاصة في المناطق الريفية، في تجارب تعليمية غير كافية. تؤثر قلة فرص التطوير المهني للمعلمين أيضًا على قدرتهم في تقديم تعليم عالي الجودة. كما يؤثر غياب الموارد الأساسية مثل الكتب المدرسية والمواد التعليمية والبنية التحتية المناسبة على البيئة التعليمية العامة. على سبيل المثال، في منطقة ماكل، تعيق الفصول الدراسية المكتظة ونقص المعلمين المدربين جودة التعليم وتؤثر سلبًا على نتائج التعلم للطلاب.
اتاحة التعليم العالي
الوصول إلى التعليم العالي محدود في إريتريا. وقد لوحظ نقص شديد في عدد الجامعات وقصور عمليات القبول. وتمثل شدة التنافس في الحصول على التعليم العالي عائقا في عدد الطلاب الذين يمكنهم متابعة التعليم العالي. هذه القيود تعيق تطوير القوى العاملة الماهرة وتؤخر تقدم البلاد نحو اقتصاد قائم على المعرفة. على سبيل المثال، في المنطقة الوسطى، حيث تقع العاصمة أسمرة، لا تستطيع الفرص المحدودة المتاحة في الجامعات استيعاب العدد المتزايد من الطلاب المؤهلين الذين يسعون للحصول على التعليم العالي، مما يؤدي إلى فجوة كبيرة بين العرض والطلب على فرص التعليم العالي.
الخاتمة
إن التحديات التعليمية في إريتريا متجذرة بعمق في العوامل التاريخية وتتفاقم بسبب القضايا الحالية. تستمر المشاكل مثل عدم المساواة، والقيود الاقتصادية، والفوارق بين الجنسين، وضعف جودة التعليم، والوصول المحدود إلى التعليم العالي في عرقلة تطوير وتقدم نظام التعليم في البلاد. تتطلب هذه التحديات اهتمامًا عاجلًا وحلولًا شاملة. من خلال معالجة الأسباب الجذرية، والاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتحسين جودة التعليم، يمكن لإريتريا أن تمهد الطريق لنظام تعليمي أكثر شمولًا وفعالية، يمكّن مواطنيها ويدعم أهداف التنمية طويلة الأجل للبلاد.
بقلم جوزيف كامانغا
ترجمة رويفة الريامية
المراجع
United Nations Development Programme (UNDP) – Eritrea: Education Sector Review: https://www.er.undp.org/content/eritrea/en/home/library/poverty/education-sector-review.html
United Nations Children’s Fund (UNICEF) – https://www.unicef.org/eritrea/education
World Bank – Education in Eritrea: https://www.worldbank.org/en/country/eritrea/publication/education-in-eritrea
United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization (UNESCO) – Eritrea: https://en.unesco.org/countries/eritrea Human Rights Watch – Eritrea: https://www.hrw.org/africa/eritrea


