التحديات التعليمية في تيمور الشرقية: أمة تعيد بناء نظامها التعليمي
بقلم فرانسيسكا روساليس
تيمور الشرقية هي دولة تقع في جنوب شرق آسيا، ويبلغ عدد سكانها حوالي مليون نسمة. أصبحت دولة مستقلة في عام 2002 بعد أن خضعت للاحتلال الإندونيسي لمدة 24 عامًا، وقبل ذلك كانت تحت الحكم الاستعماري البرتغالي لمدة 400 عام )كابرال ومارتن-جونز 2021(. لا تزال تيمور الشرقية تتعافى من ماضيها العنيف وتواجه تحديات كبيرة، إذ يعيش حوالي 42% من السكان تحت خط الفقر )اليونيسف 2023أ(.
بسبب الغزو الإندونيسي والدمار الواسع في عام 1999، تم تدمير 90% من المدارس في البلاد بحلول عام 2001، كما فقدت البلاد جزءًا كبيرًا من العاملين في القطاع التعليمي. ومنذ استعادة الاستقلال، حققت تيمور الشرقية تقدمًا كبيرًا في إعادة بناء نظامها التعليمي بمساعدة المانحين الدوليين )كوين وبوشانان 2021؛ اليونيسف 2023أ(. التعليم في تيمور الشرقية إلزامي وهو حق دستوري للأطفال من سن 6 إلى 14 عامًا، والمدارس الحكومية مجانية )اليونسكو
2023؛ اليونيسف 2019(. يشمل النظام التعليمي سنتين من مرحلة ما قبل المدرسة، وست سنوات من التعليم الابتدائي، وثلاث سنوات من التعليم ما قبل الثانوي، وثلاث سنوات من التعليم الثانوي )كوماتسو 2019(. حوالي 86% من الأطفال ملتحقون بالمدارس الحكومية في تيمور، في حين أن أقلية صغيرة ميسورة الحال تلتحق بالمدارس الخاصة التي تقدم تعليماً ذا جودة أعلى )سواريس 2023(. كما حققت تيمور الشرقية المساواة بين الجنسين في مرحلتي التعليم الابتدائي وما قبل المدرسة في معظم مناطق البلاد )اليونيسف 2023ب(.
يعترف الدستور الحالي لتيمور الشرقية باللغتين البرتغالية والتيتوم )وهي اللغة الأكثر استخدامًا في البلاد وتعُد لغة التواصل المشترك( كلغتين رسميتين للدولة )أوجدن 2017(. تسُتخدم اللغتان البرتغالية والتيتوم في الدورة التعليمية الأولى )من الصف الأول إلى الصف ال رابع(، في حين تسُتخدم اللغة البرتغالية كلغة تدريس في التعليم الثانوي )كابرال ومارتن-جونز 2021(.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تعليمية قائمة .على سبيل المثال، العديد من المدارس تعاني من بنية تحتية متهالكة، حيث تفتقر 66% منها إلى مرافق صحية فعّالة، و40% تفتقر إلى مياه صالحة للشرب، ولا تزال أساليب التدريس غير ملائمة للأطفال. كما أن الإحصاءات المتعلقة بالتعليم لا تزال غير مرضية، إذ أن 37% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا أميون، و70% من طلاب الصف الأول لا يحققون الأهداف التعليمية للمناهج الدراسية )اليونيسف 2023أ(. في الواقع، في عام 2020، كان هناك 9291 طفلاً و9986 مراهقًا خارج المدرسة )اليونسكو 2023(. ووفقًا لليونيسف، فإن 20% فقط من الأطفال في سن ما قبل المدرسة مسجلون في التعليم، رغم أن معدلات التسجيل الإجمالية في مرحلة ما قبل المدرسة زادت بنسبة 25% في عام 2019 )اليونيسف 2023أ؛ اليونيسف 2023ب(.
صعوبات في تحقيق الأهداف التعليمية
رغم جهود تيمور الشرقية في إعادة بناء نظامها التعليمي، لا يزال الأطفال من كلا الجنسين لا يحققون المعايير التعليمية المناسبة لأعمارهم، لا سيما أولئك الذين يعيشون في المناطق الريفية والأحياء الحضرية الفقيرة. وغالبًا ما يكون ذلك بسبب نقص استعداد الأطفال للمدر سة، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التكرار) 24%(، وعدم الانتظام في الحضور، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى التسرب من المدرسة. ووفقًا للبنك الدولي، في عام 2010، لم يتمكن 70% من طلاب الصف الأول، و40% من طلاب الصف الثاني، و20% من طلاب الصف الثالث من قراءة فقرات نصية بسيطة. كما أن ما يقرب من نصف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و18 عامًا من ذوي الإعاقات غير مسجلين في المدارس )اليونيسف 2023ب(.

بناء قدرات المعلمين ونقصها
يُعد نقص الكوادر التعليمية المدربة والمؤهلة أحد أبرز التحديات التي تواجه تيمور الشرقية، خاصة في المدارس الحكومية
)كوين وبوشانان 2021؛ أوجدن 2017(. فالكثير من المعلمين يفتقرون إلى المؤهلات اللازمة لتعليم الأطفال، إذ أن العديد منهم لم يكمل سوى التعليم الثانوي، كما أن نصف القوى العاملة فقط تملك الحد الأدنى من المؤهلات المطلوبة للتدريس )كوين وبوشانان 2021(. وقد قامت منظمة اليونيسف وحكومتا البرتغال والبرازيل بمساعدة وزارة التعليم في تحسين النظام التعليمي للطلاب ومعلمي المرحلة الابتدائية )اليونيسف 2019(.
لتطوير مهارات وخبرات المعلمين، نفذت اليونيسف مبادرات تضمنت دعوة معلمين من المدارس الحكومية لزيارة مدارس مزودة بالموارد للتعلم من نظرائهم واكتساب ممارسات تعليمية فعّالة. وتعتمد هذه المبادرة على مبادئ برنامج “إسكولا فو ن “(Eskola Foun)، وهو نهج صديق للأطفال يركز على تحسين الوصول إلى التعليم وجودته في المدارس الابتدائية وما قبل الثانوية. ومن خلال بناء قدرات المعلمين وقادة المدارس، يهدف البرنامج إلى توفير بيئة آمنة وصحية وشاملة تساعد الطلاب على الازدهار )اليونيسف 2019(.
وقد أقر المعلمون بأنهم قبل مشاركتهم في هذا البرنامج، كانوا يدرّسون بنفس الطريقة التي تلقوا بها التعليم، حيث يقوم المعلم بكتابة المحتوى على السبورة ويقوم الطلاب بنسخه دون أي تفاعل. وبعد مشاركتهم في جلسات التعلم التعاوني، بدأوا بتطبيق أساليب تعليمية أكثر ديمقراطية، تشجع الطلاب على طرح الأسئلة والتعبير عن آرائهم. كما بدأوا باستخدام أساليب تعليمية جديدة، مثل إخراج الطلاب إلى البيئة الخارجية لاستكشاف التعلم )اليونيسف 2019(.
علاوة على ذلك، شرعت وزارة التعليم في بناء كادر تعليمي قوي من خلال تطبيق نظام مهني للمعلمين لضمان استيفائهم للمؤهلات المطلوبة )كوين وبوشانان 2021(. كما أطلقت الوزارة إصلاحًا للمناهج الدراسية عام 2013 في التعليم الأساسي بهدف بناء نظام تعليمي يعكس ثقافة تيمو ر الشرقية وتاريخها وبيئتها، لتعزيز الهوية الوطنية. ويتضمن المنهج الجديد أيضًا استخدام أمثلة محلية في عملية التعلم، مثل استخدام سيناريوهات التسوق في الأسواق لحل مسائل رياضية )أوجدن 2017(. ومع ذلك، لم يتم تنفيذ هذا الإصلاح بشكل فعّال بسبب ضعف التواصل من قبل المسؤولين الحكوميين، ولأن العديد من المعلمين ليسوا على دراية بالمحتوى )أوجدن 2017(. ولمعالجة هذا التحدي، نظّم فريق الإصلاح جلسات تدريبية لتوضيح المناهج الجديدة للمعلمين.
وتواجه تيمور الشرقية تحديًا إضافيًا يتمثل في عدم زيادة عدد المعلمين بما يتماشى مع ارتفاع معدلات الالتحاق بالمدارس، ما أدى إلى إرهاق المعلمين بسبب ازدياد عدد الطلاب في الفصول الدراسية )كوين وبوشانان 2021؛ بيرنز 2017(. كما يشعر المعلمون بالضغط بسبب نقص الموارد والمواد الدراسية اللازمة لتدريس المنهج )كوين وبوشانان 2021؛ سواريس 2023(.
سياسة اللغة في التعليم
تعُد اللغة مسألة خلافية في تيمور الشرقية منذ الاستقلال )أوجدن 2017(. وينص المنهج الدراسي الحالي على استخدام لغة التيتوم كلغة أولى للتعليم، مع إدخال تدريجي للغة البرتغالية خلال مرحلة التعليم الابتدائي )كوين وبوشان 2021؛ أوجدن 2017(. ويهدف هذا النهج التدريجي إلى ضمان إتقان الطلاب للغتين التيتوم والبرتغالية بحلول الصف السادس، إذ أن اللغة البرتغالية تسُتخدم في التعليم الثانوي. ومع ذلك، لا يوجد عدد كافٍ من المعلمين المتقنين للغة البرتغالية، إذ لا يتحدثها سوى أقلية من السكان )بيرنز 2017؛ كابرال ومارتن-جونز 2021(. لذلك، لا يزال من الضروري تدريب المعلمين على استخدام اللغة البرتغالية.
زيادة معدل محو الأمية
بسبب العنف الذي خلفه الغزو الإندونيسي، حُرم خمس السكان من إكمال التعليم الأساسي )كوماتسو 2019(. ولمعالجة هذه
المشكلة، أطلقت الحكومة التيمورية برنامج التعليم المعادل في عام 2010، والذي أتاح للشباب والبالغين فرصة متابعة تعليمهم من خلال منهج مكثف يعادل التعليم الابتدائي وما قبل الثانوي. ويتضمن البرنامج تدريس مواد متنوعة مثل الرياضيات ،والعلوم، والتاريخ، ومهارات العمل، والتدريب المهني، والبرتغالية، والتيتوم، والإنجليزية. ويمكن لأي شخص الالتحاق بالبرنامج إذا كان عمره بين 15 و17 سنة ولم يدرس لأكثر من 12 شهرًا، أو إذا كان فوق 17 عامًا ولم يُكمل التعليم الابتدائي.
البرنامج مجاني، ورغم ارتفاع معدلات التسجيل فيه، لا يزال العدد أقل من عدد الشباب والبالغين غير المتعلمين. فعلى سبيل المثال، كان هناك 1041 طالبًا فقط مسجلين في البرنامج في عام 2010، في حين كان هناك 200,000 بالغ مؤهلين للالتحاق به. ومع ذلك، أظهرت دراسة أجُريت من قبل كوماتسو )2019( أن العديد من المشاركين لم يفقدوا رغبتهم في التعلم، والسعي للمعرفة، وبناء الثقة بالنفس.
إلى جانب هذا البرنامج، موّل البنك الدولي مشروع “فرصة ثانية” بين عامي 2010 و2017 لمساعدة البالغين في إكمال
تعليمهم الأساسي. وقد أخذ البرنامج في الحسبان احتياجات الطلاب البالغين، وقدم طريقة مرنة لتعلم المهارات اللغوية والعلمية والتنمية الشخصية. ووفقًا للبنك الدولي، كانت 55% من المشاركين من النساء، وتخرج 197 طالبًا بحلول عام 2017 )البنك الدولي 2018(.
الخاتمة
في الختام، ورغم أن تيمور الشرقية دولة حديثة الاستقلال، إلا أنها حققت تقدمًا كبيرًا في إعادة بناء نظامها التعليمي. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تعيق وصول الأطفال إلى تعليم جيد. ينبغي على الحكومة مواصلة الاستثمار في تحسين المدارس من حيث البنية التحتية والصرف الصحي والنظافة لضمان صحة ورفاهية الطلاب.
كما ينبغي على وزارة التعليم الاستمرار في دعم بناء قدرات المعلمين، بما في ذلك تعزيز إتقانهم للغة البرتغالية. ويجب توفير التدريب للمعلمين الجدد لضمان حصولهم على المهارات المطلوبة لأداء وظائفهم بفعالية. ومع استعداد المعلمين لتبني طرق تدريس جديدة، يجب أيضًا تزويدهم بالموارد اللازمة لتنفيذ المنهج، ويجب أن يتم توزيع هذه الموارد بعدالة على جميع المدارس
من قبل الحكومة وشركائها. ويجب على الوزارة إعطاء الأولوية لتوزيع المواد المنهجية لضمان وحدة الأسلوب التعليمي وجودته في جميع أنحاء البلاد.
وبالإضافة إلى ذلك، وبسبب استقلال تيمور الشرقية الحديث، ينبغي أن يركز المنهج التعليمي على التاريخ والثقافة المحلية
كجزء أساسي من جدول أعمال التنمية الوطنية. وينبغي على الحكومة أن تعزز من أهمية التعليم ما قبل المدرسي، خاصةً في المجتمعات الفقيرة. فإتاحة فرصة حضور رياض الأطفال قد يساعد الأطفال في الاستعداد للصف الأول، إذ أن معدلات التكرار المرتفعة غالبًا ما تكون مرتبطة بضعف الاستعداد المدرسي )اليونيسف 2023ج(.
وأخيرًا، يجب على الحكومة زيادة استثماراتها وتوسيع الوصول إلى التعليم الجيد وبيئات التعلم المبتكرة للأطفال والمراهقين
غير الملتحقين بالمدارس لضمان حقهم في التعليم. كما يجب توفير التعليم الأساسي للبالغين الذين لم يتمكنوا من إكماله. وفي السياق نفسه، يجب على وزارة التعليم توفير التدريب المهني لتمكين الشباب والبالغين من تنمية مهاراتهم الاجتماعية والمهنية التي تؤهلهم للعمل. ترجمة رويفة الريامية
المراجع
- Burns, R., 2017. Education in Timor-Leste: envisioning the future. Journal of International and Comparative Education (JICE), pp.33-45.
- Cabral, E. and Martin-Jones, M., 2021. Critical ethnography of language policy in the global south:
insights from research in Timor-Leste. Language Policy, 20, pp.1-.52
- Komatsu, T., 2019. Second-chance Education in Post-conflict Timor-Leste: Youth and Adult Learners’ Motives, Experiences and Circumstances (No. 182). JICA Research Institute.
- Ogden, L., 2017. Competing visions of education in Timor-Leste’s curriculum reform. International Education Journal: Comparative Perspectives, 16(1), pp.50-63.
- Quinn, M. and Buchanan, J., 2022. “A contribution to my country”: professional lives of teachers in Timor-Leste. Asia Pacific Journal of Education, 42(3), pp.497-512.
- Soares, E., 2023. “A desigualdade no acesso à educação em Timor-
Leste”. https://www.diligenteonline.com/a-desigualdade-no-acesso-a-educacao-em-timorleste/ . Accessed on September 6, 2023.
- UNESCO, 2023. “Timor-Leste”. https://uis.unesco.org/en/country/tl. Accessed on September 6 2023.
- UNICEF, 2023a. “Quality Education”. https://www.unicef.org/timorleste/qualityeducation#:~:text=%E2%80%A2-
- UNICEF, 2019. “Education through teacher peer learning in Timor-
Leste”. https://www.unicef.org/timorleste/stories/education-through-teacher-peer-learningtimor-leste. Accessed on September 6, 2023.
- UNICEF, 2023b. “Education in Timor-Leste: An investment opportunity for private and public donors”. https://www.unicef.org/timorleste/media/5896/file/UNICEF_TIMOR_LESTE_INVEST MENT_CASE_EDUCATION_Final.pdf. Accessed on September 6, 2023
- UNICEF, 2023c. “Peer mentors create fun filled learning moments for Grade One
Students”. https://www.unicef.org/timorleste/stories/peer-mentors-create-fun-filled-learningmoments-grade-one-students. Accessed on September 6, 2023
- World Bank. (2017). “A Second Chance at Education in Timor-
Leste”. https://www.worldbank.org/en/results/2018/08/23/a-second-chance-at-education-intimor-leste. Accessed on 4 September, 2023.
صورة الغلاف من تصوير GPE/Lucinda Ramos عبر موقع Flickr



